لسان الدين ابن الخطيب

79

الإحاطة في أخبار غرناطة

لقد خامرت نفسي مدامة حبّه * فقلبي من سكر المدامة لا يصحو « 1 » وقد هام قلبي في هواه فبرّحت * بأسراره عين لمدمعها سبح غفلته ونوكه : كان هذا الرجل من البله في أسباب الدنيا ؛ له في ذلك حكايات دائرة على ألسنة الشقاة من الملازمين له وغيرهم ، لولا تواترها لم يصدّق أحد بها ، تشبه ما يحكى عن أبي علي الشلوبين . منها أنه اشترى فضلة ملف فبلّها ، فانتقصت كما يجري في ذلك ، فذرعها بعد البلّ فوجدها تنقصت ، فطلب بذلك بائع الملف ، فأخذ يبيّن له سبب ذلك فلم يفهم . ومنها أنه سار إلى بعض بساتين ألمرية مع جماعة من الطلبة واستصحبوا أرزّا ولبنا ، فطلبوا قدرا لطبخه ، فلم يجدوا ، فقال : اطبخوا في هذا القدر ، وأشار إلى قدر بها بقيّة زفت مما يطلى به السّواني « 2 » عندهم ، فقالوا له : وكيف يسوغ الطبخ بها ، ولو طبخ بها شيء مما تأكله البهائم لعافته ، فكيف الأرز باللبن ؟ فقال لهم : اغسلوا معائدكم ، وحينئذ تدخلون فيها الطعام . فلم يدروا ممّا يعجبون ، هل من طيب نفسه بأكله مما يطبخ في تلك القدر ، أم من قياسه المعدة عليها . ومنها أنهم حاولوا طبخ لحم مرّة أخرى في بعض النّزه فذاق الطعام من الملح بالمغرفة ، فوجده محتاجا للملح ، فجعل فيه ملحا وذاقه على الفور ، قبل أن ينحلّ الملح ويسري في المرقة الأولى ، فزاد ملحا إلى أن جعل فيه قدر ما يرجح اللحم ، فلم يقدروا على أكله . ومنها أنه أدخل يده في مفجر صهريج فصادفت يده ضفدعا كبيرا ، فقال لأصحابه : تعالوا إن هنا حجرا رطبا . ومنها أنه استعار يوما من القائد أبي الحسن بن كماشة ، جوادا ملوكيّا ، قرطاسي اللّون ، من مراكب الأمراء ؛ فقال : وجّه لي تلك الدّابّة ، فتخيّل أنه يريد الرّكوب إلى بعض المواضع ، ثم تفطّن لغفلته ، وقال : أي شيء تصنع به ، قال : أجعله يسني شيئا يسيرا في السّانية ، فقال : تقضى الحاجة ، إن شاء اللّه بغيره ؛ ووجّه له حمارا برسم السانية ، وهو لا يشعر بشيء من ذلك كله . قلت : وفي موجودات اللّه تعالى عبر ، وأغربها عالم الإنسان ، لما جبلوا عليه من الأهواء المختلفة ، والطّباع المشتّتة ، والقصور عن فهم أقرب الأشياء ، مع الإحاطة بالغوامض . حدّثنا غير واحد ، منهم عمّي أبو القاسم ، وابن الزّبير ؛ إذنا في الجملة ، قالا : حدّثنا أبو الحسن بن سراج عن أبي القاسم بن بشكوال ، أن الفقيه صاحب الوثائق أبا

--> ( 1 ) في الأصل : « لا يصحّ » . ( 2 ) السواني : جمع السانية وهي كالساقية ، ما يسقى عليه الزرع والحيوان . لسان العرب ( سنا ) .